إنبعاثات الوعي في زمن الثورة

 

وعي

 

ما زالت ذكرى الاعتقال لخمسة عشر طفلاً في درعا منذ عام ونصف هي الحدث الأهم في الثورة السورية في نظر الكثيرين . فعلى الرغم من شلال الدم وسيل الشهداء الذي لم ينقطع يوماً وغرق البلاد في موجة من المظاهرات , إلا أن هذه الذكرى لها وقع خاص في النفس .

منذ أربعين عاماً وتحديداً عند وصول الأب لسدة الحكم , حاول أن يزرع الأب في عقول الناس وهماً بأنه لا قوة لهم ولا صوت , وإستبدل تفكيرهم فبدل التفكير في مستقبلهم أجبرهم على الدوران في فلك رغيف الخبز وكيفية الحصول عليه , وبقوة البسطار العسكري محى لهم أصواتهم وكمم أفواههم . وربما لذلك لجأ الأطفال للكتابة لجهلهم المتوارث عن أبائهم بوجود الصوت , ومن هنا كانت شرارة الوعي الأولى في الثورة السورية والتي لم يكن يحتاج الناس لأكثر منها ليشعروا بقوتهم .

وتخوفاً من هذه اللحظة حاول النظام أن يفعل كل شئ ليؤخر قدومها إبتداءاً من محو الصوت مروراً بمحاولة التفكيك الإجتماعي للمدن الكبرى. فعلى الرغم من غياب التمييز الطائفي في سوريا إلا أننا نحظى بتمييز طبقي همّشت فيه الطبقة الوسطى وأبقي فيها على الطبقتين الغنية والفقيرة لتنهش إحداهما الأخرى .

ونتيجة لكل هذا حاول الناس أن يجدوا مصدرا آخر للتفاخر فظهر التمييز المناطقي بين أبناء المدن ليصبح بعدها على مستوى أحياء المدينة الواحدة ثم الحي الواحد وليس إنتهاءاً بالعائلة .

كل ماتم ذكره هي محاولة لتبسيط ما كانت عليه سوريا قبل عام ونصف , قبل أن تتفجر طاقات الوعي الشعبي , حيث هدم وجودها الكثير من هذه الجدران فاستشعرالفرد بقوة صوته وبتجبره مع الجماعة لنرى تبعاً لذلك قدرة عالية على التنظيم والتي انعكست على الأرض بالمظاهرات والتغطية الإعلامية والتنسيقيات .

واقتنع الفرد بأن التميز يكون على قدر العمل والتضحية فأصبحت العائلة والحي والمدينة تفخر بالأفراد لا العكس. ومن هنا انطلق الإبداع فأصبحت المدن تتنافس فيما بينها , فـكفرنبل على سبيل المثال قرية صغيرة لم يكن يعرف بها الكثير من السوريين ولكن بفضل شعاراتها والإبداع في المظاهرات والرسومات أصبح لها إسم ووجود في عقول الناس .

طال الوعي الكثير من المفاهيم فلم يعد هناك مكان لتأليه الأشخاص بل لتقدير الأفكار الجيدة وإنتقاد السيئة ونرى هذا جلياً في اللافتات والأعمال الفنية في المظاهرات التي أصبحت لسان الشارع والمكان الوحيد الذي يعرض مايمثلهم فلم يعد هناك أشخاص تمثّلهم بل أفكار .

وتمتد يد الوعي لتشمل الأطفال أيضاً فلقد أصبحوا قادرين على إدراك معنى الحرية ومعنى الظلم والقتل والحق والتي كانوا سيحتاجون لأعوام لإدراكها دون وجود الثورة. ومع كثرة الحديث عن تصحيح مسار الثورة فأنا أراها ليست بحاجة إلى تصحيح هي تسير بخط طبيعي خاصة بوجود كل ذلك العنف والدم الذي يحيط بها بل هي قادرة بفضل مخزون الوعي الكامن في نفوس أبنائها على توليد الحلول المناسبة .

من المضحك المبكي في عصر الثورات أن تسقط ورقة التوت عن عورة جهلنا ونكتشف بأن من يحكمنا لسنوات ليست الديكتاتوريات الوطنية الصنع إنما خوف يسكننا,الحرية لم تعد كلمة بل فعل يمارس .

Advertisements