دبجونة الإنتظار (الجزء الثاني )

هذه المرة لم يكن عليها أن تنهار وتبكي أوتبقى في وضعية الجنين لخمسة أيام. كل مافعلته أن أذابت ملعقة نسكافية وملعقتين كوفي مايت في ماء ساخن جمعت صوره من على الجدران والمساند ولملمة ظلاله من الزوايا ورمت ببيجامته وثيابه في القمامة وجلست تشرب قهوتها قرب النافذة

waiting

.

01/01 :

لا أحد يشعر بمرارة السنة الجديدة وفرحتها كالسوريين, من جهة هم سعيدون لأنهم مازالوا أحياء ومن جهة أخرى يشعرون بالمرارة لأنهم لم يموتوا مع أصدقائهم وأقاربهم السابقين. وأصبحنا ننافس شعب الله المختار فبتنا شعب الله المفصوم, على الزمن أن يعبر فوق جيلين كاملين حتى نستطيع تجاوز مانمر به الآن.

ليلة رأس السنة تذكرت جدتي وهي تصرخ من آخر المنزل لأحد أبناء خالي في ليلة زفافة “اقطع رأس القط من أول ليلة” وأنا البريئة التي تخاف من الماء الملون فما بالك بالدم قررت أن أقطع راس القط على طريقتي, فتركت للمقص الحرية أن يجد طريقه في شعري. ماحاجتي بالشعر وما من يد تزرع فيه النجوم أو تنام عليه.

 الرابعة مساءاً :

كانت سنة جديدة بكل ماتحمله الصدفة من معنى, على غرار سنة القحط كانت هذه السنة متفتحة بالفرح منذ اليوم الأول, حركة المفتاح على باب الشقة جعلتها وشعرها تتسمر لبضع دقائق فكانت بخصلها الصغيرة المقصوصة بعشوائية الواقفة فوق رأسها كالشمس. لم يخطر ببالها إلا أن لصوصاً عرفوا الطريق إليها ولوحدتها.

كانت مفاتيح الطرف الآخر تتردد قليلاً وتكمل حتى غرّدت مفاصل الباب معلنة أن أحدهم يخطو وظله يمشي أمامه وقفت على قدميها, كل خلاياها جفّت فجأة وعيناها برزتان كضفدع وكادت أن يغمى عليها ولكنها تفضّل أن تعيش كل اللحظات من توسل وبكاء وإعطائهم المال المدسوس تحت المخدة ثم الموت والتعذيب .. الخ

عندما وقف زوجها أمامها كان إنعكاس لظله فهما نحيلان رماديان جافان من الحياة, الرجل ذو التسعين كيلو المتورّد الخدين المهندس الوسيم لم يبق منه إلا هذا الشبح ذو الخمسين كيلو الذي ماكان لزاماً عليه أن يفتح الباب بمفتاح, كان بإمكانه أن ينسل من تحت فتحة الباب وحتماً كان سيمر ..

كل القمل والجرب والأمراض التنفسية والنفسية والجسدية المزروعة فيه بعشوائية بدت جميلة, هذا الذي جفّت له عروق الحياة أعاد معه كل شيء شعرت بأنها تقف وجهاً لوجه أمام روحها, لو أنه عاد مبكراً قليلاً فقط لكانت احتفظت بشعرها هكذا فكّرت باديء الأمر.

احتاج لخمسة أسابيع حتى يتجاوز الجرب والهزال الشديد والسعال والصداع والدوخة أمام ضوء الشمس وأكثر من ذلك قليلاً ليتغلب على “النقزة” أمام كل طرقة باب, وبهدوء عاد الورد ليسكن خدوده إلا أنه لم ينجو بعد من الكوابيس حتى بعد مضي ستة أشهر.

عادت الروح للساعات والأيام ولرائحة القهوة ولإزعاج بائعي الخضار والحليب المتجولين وللعصافير التي تثرثر طوال النهار على نافذتها ولوالدتها وحماتها وعادت فجأة تغزل المشاكل مع أخوات زوجها وتكيد لسلفتها وتتجمع مع جاراتها في صبحيات نسائية لاتنته  ..عادت شراهتها للحياة.

مفتاح:

عند الباب قبّلا بعضهما وانطلق كل منهم في طريق عمله, الازدحام والوقوف المتكرر والانتظار وتململ الوجوه أصبحت عادة سورية يحترفها الجميع ربما هي لعنة الأموات للأحياء. يمسكها الألم من خاصرتها اليمنى ويمر كسهم للجهة الأخرى, الجو جميل بإمكانها أن ترتكب إجازة في حق العمل وتتسكع في منزلها بهدوء هكذا فكّرت وهكذا اقترفت.

الأبواب شواهد لو جُعل لها لسان لتتحدث لاعترفت بالكثير.

فتحت الباب بهدوء ودخلت لتقف خمس دقائق تستمع لضحكات وتأوهات احتاجت لأكثر من دقيقة لتؤمن أن هذا الصوت له وهذه الضحكات له وهناك أخرى ليست هي تشاطره هذه الضحكات, الخيانة على بُعد شجاعة كان بإمكانها أن تدخل وتحطّم المنزل على رأسه ورأسها هاذان الغارقان بالرذيلة في منزلها. لكنها اتبعت طريقة أخرى ثلاث خطوات واستدارة وركضت بمليء خيبتها.

لم تعلم لماذا هربت من المنزل وتركت لهم الساحة ليكملا يومهما, “الغبية لابد أنها ترتدي قميص نومي وتنتعل “شحاطتي” وتضحك من مقاس قدمي وتعبث بأحمر شفاهي, ابنة المعاتيه لابد أنها تضع من عطري وتلف شالي حول خصرها وترقص به وذلك المعتوه يصفق لها”. تركت لقدميها المشي فجابت شوارع المدينة دون وعي تبكي أحياناً وتصمت كثيراً ولا تدرك  سبباً للبكاء أكان من أجله أو من أجل كرامتها أو حزناً على أغراضها.

شعر أشقر :

قبيل الرابعة بقليل اتصلت به لتسأله اذا ماكان المنزل ينقصه الملح ولتخبره بأنها قادمة ليتخلص من كيس القمامة الذي يقبّله, دخلت وبدأت تتحدث دون أن تنظر إليه أشار لها باستفهام على شعرها “شو؟ .. آه شعري صبغته أشقر تغيير شكل” وكادت أن تكمل أصفر على رأسي ونار تأكل رأسك.

 عندما تفرح المرأة أو تغضب وحتى عندما تصاب باكتئاب فهي تلجأ لتغير شيئ في نفسها وكأنها ترجوا الآخرين أن يلاحظوا ماتمر به.

مسكت نفسها دون أن تستفرغ كل ما تحمله في قلبها أمامه ودفعت إسبوعان من عمرها للتفكير, وأعطت للزمن الإذن أن يعيد نفسه.

بسكويت مالح :

 وجاء عزيز كتابكم “اعتقلوه”

هذه المرة لم يكن عليها أن تنهار وتبكي أوتبقى في وضعية الجنين لخمسة أيام. كل مافعلته أن أذابت ملعقة نسكافية وملعقتين كوفي مايت في ماء ساخن جمعت صوره من على الجدران والمساند ولملمة ظلاله من الزوايا ورمت ببيجامته وثيابه في القمامة وجلست تشرب قهوتها قرب النافذة.

بعد ما اكتشفت خيانته فكرت بطلب الطلاق ومواجهته والبصق في وجهه ولململة أغراضها والعودة لعائلتها, لكنها كانت ستترك المجال لتلك الغبية لتأخذ مكانها وسيتهامس الناس في الغد عن الأنثى المسكينة التي خانها زوجها وتركها وسينضج كطبق ورد وستذبل كشمس لذلك كان عليها أن تسبق غضبها, حادثت صديق لها في دولة خليجية وشرحت له أنها بحاجة لمبلغ 200 ألف ليرة سورية ولأن هناك مشاكل في هويتها فالأفضل أن يرسله باسم زوجها والبقية سهلة … تقرير صغير بتمويله للإرهاب لتبدأ النهاية باعتقال ولتختتم “بموت تحت التعذيب” وتمسي هي الأرملة الصابرة الجميلة .

حيث تنام النهايات تنمو البدايات جديدة . 

 الجزء الأول 

لسوريا .. صمت وشمعة

 

عريضة

 

"إن الدماء السورية التي تسيل ودموع الأمهات التي لم تجف بعد هي التي دفعتنا للإجتماع والقيام بـ وقفة حداد على أرواح شهداء سوريا .. ونحن من هذا المكان نعلن بأننا سنقف صامتين رافعين علم بلادنا , مضيئين شموعا تعبر عن تقديرنا لتضحيات شهداء سوريا , وعن مشاركتنا لآلام أهلنا وحزنهم على سقوط دماء إخوتنا الغالية . كما أننا ندعو جميع السوريين لاعتبار هذه اللحظة لحظة إنتهاء الأحزان , ولتكن نقطة لبداية العمل سوياً لوقف سيلان الدماء "

هذا ما وقعنا عليه … أن نحب سوريا لا أكثر وأن نحزن من أجل هؤلاء الذين نسوا أن يوضبوا أغراضهم فوضبها الموت عنهم فغرقت أمهاتهم وأحبائهم بين أطيافهم المسافرة وبين رحيقهم الذي مازال يتسلق في ثيابهم …

حضرت مع من حضر وقدم تتأخر والاخرى تتقدم كان يؤخرني خوف أن تستغل هذه الوقفة لحساب أحدهم وأن تحرف عن مسارها … وبعد طول تردد قررت أن أذهب والوجوه الأولى التي ستستقبلني هي من ستقرر بقائي من عدمه

و ما رأيته لم يثبت قدماي فقط بل خلق إعجاب كبير , فالاحترام والابتسامات الناعمة والهدف الواحد الذي كان يتراقص في عيون الجميع يجبرك على الاحترام مهما اختلفت  توجهاتك معهم ..

وكانت تعليمات الوقفة واضحة لا صور لا شعارات لا هتافات هي وقفة حزن احتراما لأرواح الراحلين السوريين من مواطنين وجيش وقوات الأمن … وقفة لتجمعنا لنشعل شمعة لهم تضئ لنا الطريق

 

العلم السوري

 

ومع هذا  قوبلت هذه الوقفة بالمقاطعة من مؤيدي النظام الذي كان ردهم الوحيد بعض الشعارات والصور الاستفزازية التي طوقوا بها الحديقة  … المضحك أن احدهم كان يقف خلف السور يحمل تمثالا لشيطان كاتباً تحته " انظروا هذا هو الشيطان … هذا هو عدنان العرعور " ويوجهه للجالسين مع شموعهم

وصلت لأذني استفسار من إحداهن تجلس خلفي " مين هدا العرعور ؟ "  ابتسامة

وقفنا دقيقة صمت .. طيرت من قلبي حينها ألف ألف حمامة رحمة على قلوبنا نحن الذين نمشي فوق التراب لأن الأرض لا تخذل من تحتضنه … قرأت الفاتحة على روح الجميع وأنشدنا النشيد السوري تحت ظل العلم الذي انتفض يعانق السماء .

أريد أن أنوه أن قوات الامن بقيت طوال الساعتين من الخامسة حتى السابعة تقف خارج أسوار الحديقة  كمانع لأي نقطة احتكاك محتملة من الطرفين …

إلا إن هذه اللوحة المنظمة المرتبة لم تكتمل على الرغم من صمودها حتى السابعة  اذ ما أن انتهت  وقفة الحداد حتى  اقتحم الطرف الاخر الحديقة وانهالوا على من تبقى بالضرب والسب

وحتى لا أقع في فخ النسيان أود التوجه بالشكر لـ "الشبيحة" أو المرافقات الي تواجدت أيضا خارج السور يرصدوننا بأعينهم, ورجال المخابرات  "الأشاوس" المتواجدين داخل السور بكاميرات التصوير ولا توجهوا لي سؤالاً كـ "شلون عرفتيهم ؟" لأني حتما سأجيب " هدا سؤال ما بينسأل لمواطن سوري  ؟"

كل الفرح من قلبي للمنظمين والمشاركين الذين أثبتوا صدقاً أن في سوريا شباب واعي , مثقف ومتزن يستطيع أن يخط طريقه بيده لا بدمه فقط