انسانية

 

موريللو - لوحة الاولاد الشحادين

الثالثة فجرا
رنين هاتفه النقال يوقظه من نومه وكأن أحدهم يجذبه من شعره ودون أن يفتح عينيه او احداهما يجيب .. فهو على يقين بأنها حالة اضطرارية ولولا ذلك لما عذب أحدهم نفسه بطرق باب موبايله ولو برنة .. هو ضد وضعية الصامت بكل أشكالها ربما هو ضمير الطبيب (البيطري)
على الضفة الاخرى كان صوت احدى روادي عيادته -هي مهندسة في منتصف عقدها الرابع – تتحدث بصوت "مجعلك" من الاحراج لكنها كما أسلفت حالة اسعافيه لاتنتظر التأخير وبدأت تشرح له مايحدث .. اما هو فقد حاول ان يجمع كل مايعرفه من استيقاظ في حياته حتى لايسقطها مع الهاتف الى الارض
= انا اسفة دكتور .. بس لقيت قطة
" حلو الانسان يلاقي قطه .. ليش حدا صاححلوا قطة بهالزمانات " هذا ماحدثته به نفسه
= عاملة حادث وراسها مفجوج … فيني جبلك ياها هلا ؟
وكانت الكلمة التي أوقظته اكثر من كل منبهات الكرة الارضية مجتمعة  .. لم يستطع ان يميز عقارب الساعة فالظلام كان اكبر  وبصيغة سؤال  لم يرمي الى الاستهزاء من وراءه  سألها عن الوقت وعندما أدرك انها الثالثة فجرا انفجر في نفسه " حتى ان كنت نبيا لا طبيبا بيطريا لما خرجت من منزلي في هذا الوقت "
ولكن بهدوء أخلاقيات المهنة وبصوت معتذر
– عفوا منك لكني لا استطيع الخروج في مثل هذا الوقت لكن ان استطعت حاولي تدفئتها وان تشربيها القليل من الحليب على دفعات
= لكنها "شوارعية " بحتة لم استطع الامساك بها
– دعي احدهم يساعدك … اراك في التاسعة ان اردت ..
بقيت المهندسة في مكانها تتأمل بالقطة "المفجوجة " .. من يستطيع أن يساعدها ولا يوجد في الحي خيال انسان .. تذكرت على الفور ورد
ورد هو طفل سمي على اسم مهنته فهو يبيع الورد على الناصية .. هذه الناصية التي هي بيته ومبيته ومقر عمله لامكان آخر يلجأ إليه حتى في ليلة قارسة الشتاء كهذه
= ورد .. ورد … قوم حبيبي
"حبيبي ؟؟ " .. رفع رأسه من تحت الرقعة التي تسمى مجازا بطانية .. "بأمرك سيدتي" وهو يحاول أن يقلص كمية الجسد المتعرضة للهواء ويطلق من صدره كحات  تشبه صوت طلقات المدفع
وبعد أن شرحت له ابتسم ابتسامة المجبور ..توجه الى حيث تقبع "المفجوجة" وبعد الكثير من الخربشات والممانعات استطاع امساكها وإيصالها الى منزل السيدة التي انطلقت بسرعة السهم الى الداخل حيث هيأت لها مكانا بجانب الموقد وبطانية لتضعها في داخلها وعادت الى ورد الذي بقي عند الباب ينتظر أي أوامر أخرى ..شكرته  .. دست في جيبه ورقة من فئة الخمسين واغلقت الباب دون أن تنتبه بأن جيبه مثقوب وبأن الخمسين سقطت على الارض .. ركضت الى الداخل سخنت القليل من الحليب وعادت به للقطة
الثامنة والنصف
ورد على الاشارة .. يطرق نافذة السيارة على المهندسة
تلتفت اليه بعيون شاحبة لتعيدها الى المقعد المجاور لها .. وكأنها لم تره
تفتح الاشارة .. يبقى ورد وتختفي السيارة
التاسعة الا ربع
كان الطبيب يحاول ان يفتح باب عيادته عندما رآها خلفه ومعها صرة بطانية … أدخلها وما أن فتحت الصرة تبين أنها سلة تحوي القطة لكنها غلفتها ببطانية خوفا عليها من البرد .. كانت تتحدث بجمل مختصرة مرتبكة 
= حاولت شربها حليب "تفرك يديها "
= بس مارضيت تشرب " نظراتها زائغة هنا .. هناك "
= بعدين كتير هديت " صفارها ازداد صفارا "
من النظرة الاولى كان يعلم بأن القطة ميتة .. لكنه لم يستطع ان يفعل اكثر من أن  يهز برأسه مطمئنا لها .. هو على علم بعقول زوار عيادته فالعديد منهم يحبون حيواناتهم كأطفالهم .. اما البقية فهم يحبونهم أكثر من أطفالهم بكثير
فحصها .. هز رأسه بالنفي .. لتنخرط المهندسة بالبكاء
وتحمل جثة القطة وترحل .. على ذات اشارة الحي سيارة اسعاف وجمهرة فضول  تمسح المهندسة عينيها لتستكشف لمن كل هذا الازدحام
لتلمح جسد ورد ووجهه مغطى بالدم .. ليحجبه عنهم رجل الاسعاف بالملاءة البيضاء
نظرت الى جثة القطة النائمة بجوارها لتغرق بالبكاء من جديد .. في ذات اليوم دفن ورد في قبر بلا اسم متر × متر في مقبرة الحي … ودفنت القطة بحديقة المهندسة يعلو قبرها قطعة رخام رمادية نقش عليه صورتها وتاريخ وفاتها

اللوحة لموريللو – لوحة الاولاد الشحاذين

Advertisements