صـنـاعـة الوحـش

صناعة الوحش

تبدو اللغة أحياناً صامتة صماء وكأن لاحرف فيها إذا ماحان موعد التعبير عن بشاعة أمر ما . فحتى كلمة كـ “بشعة” التي تُرسم دون حدود والتي تحتضن الكثير من الحوادث داخلها تغدو قاصرة أمام جسيم الحوادث ولكننا لانجد سبيلاً سوى إستخدامها وكذلك الحال مع كلمة “وحش” .

ويطال الظلم في اللغة الحيوان أيضاً فيلصق كصفة لكل أفعال الانسان اللامنطقية والتي ينأى الحيوان بنفسه عن مانفعل . فسياسة القتل والإفتراس – التي من المضحك المبكي أن يحتل فيها المنادي بحقوق الحيوان المركز الأول – لاتحدث في الطبيعة بعشوائية أو بهدف المتعة بل بدافع الجوع , حتى سياسة التشفي من الضعيف نادراً مانجد لها ذكراً في عالم الحيوان , وفي ذلك يذكر لنا ممدوح عدوان في “حيونة الإنسان ” نقلاً عن ريمون آرون ” قد يحدث للذئاب أن تقتتل في مابينها , ولكن رادعا غريزياً يحول من دون إقتتالها حتى الموت , فالحيوان المقهور الذي يسلم عنقه لأنياب خصمه لايجهز عليه خصمه ” .

وقد يكمن العذر بتشبيه الإنسان بالحيوان في لحظة ما بسبب حجب العقل عنه أثناء قيامه بالفعل لا بحجة غياب المشاعر .

فسوداوية صور المجازر التي لايلمع فيها إلا صوت حفيف السكين على أعناق الأطفال ولا يرى فيها إلا رائحة الدماء المتبقية على ملابس الجناة لاتدع مجالاً للشك بأن مرتكبها يغرق في نشوة تدفعه الى المسارعة للقتل وكأنه في موعد للقاء المحبوب لتختفي أي إحساس بتردده للحظة بالإندفاع للأمساك بشعرالضحية ورفع عنقها عالياً . فهذا الهوس المغيّب للعقل لايوصف إلا بنشوة تعتري الإنسان وإن غابت الحبوب المخدرة عنه فلابد من وجود رغبة محقونة في مكان ما تهتاج لها مشاعره .

إن المتتبع لخط المجازر في سوريا يلحظ تطور أسلوب القتل في كل منها , ففي البداية كانت المجازر تحدث عن بعد وبأسرع طريقة ممكنة كإطلاق النارعلى الضحية مما يعني إحتكاك أقل بين القاتل والقتيل و ذكريات قصيرة الأمد وربما كانت هذه أولى خطوات تربية الوحش إذ تكمن الصعوبة في الجسد الأول المترنح تحت غضب طلقة ورجفة مطلقها , ومع تكرار الإطلاق تصبح اليد أكثر ثباتاً وترتفع نسبة إصابة الأهداف . وكلما صغرت المسافة بين الإثنين كان دليلاٌ على تقزم الإنسان في داخل القاتل أمام الوحش الذي أصبح بحجم إنسان .

مع كل هذا فإن أعتى القتلة وأكبر الوحوش سيتردد لحظة قبل أن يمسك بمقبض سكين ليجز عنق طفل بلل سرواله من الخوف , من هنا يظهر ضعف القاتل والذي يرى في طفل أو إمرأة عدو مرتقب يهدده بجز حياته فيسبقه للحفاظ على نفسه بجز عنقه .. ألم تشتموا أنفاس نظام طائفي بعد؟

بعد أن فشل النظام في بث السم الطائفي من خلال الرصاص وقذائف الهاون يحاول الآن بكل ما أوتي من ظلم أن ينشر الطائفية بالسكاكين والبلطات التي سلّح بها خائفون أو قتلة متمرسين ولافرق بين الإثنين بعد المجازر .

لماذا السكاكين ؟

يظهر تورط النظام ومحاولته إستدراج المجتمع السوري الى مستنقع الطائفية في عدة مواطن منها مثلاً إعتماده على الأخطاء والجهل في الثقافة الشعبية والتي يتناول فيها الناس أن قتل الشيعي لسني هو صك لدخول الجنة , وبأن الوسيلة الأفضل لهذا الإرسال تكون عن طريق الذبح بسكين والتي لا دليل على صحتها في معتقدات الطائفة الشيعية , هذا عدا عن شهادات الناجين من المجازر واللذين تحدثوا عن ترديد القتلة لكلمة “ياعلي” قبل كل عملية ذبح وكأنها شعيرة دينية تردد على رأس كل ضحية لا كجريمة يقف ورائها الحقد .

وبالإضافة الى المعتقدات الشعبية فاختيار الموقع الجغرافي لكل مجزرة سياسة ممنهجة يتبعها النظام فالصفة الغالبة للقرى أو الأحياء التي تقام عليها المجازر أن تكون من طائفة الأكثرية المحاطة بأحياء أو قرى علوية .

وعلى مقدار وعي الشارع وردة فعله يكون التصعيد والهمجية في المجزرة التالية والتي لاتبعد عن سابقتها أكثر من بضعة أيام في ظل غطاء من التواطؤ العالمي مع إتباع ذات الإسلوب في كل مجزرة , وعلى الرغم من وعي الشارع فإن على المثقفين وأصحاب التأثير أن يعلوا صوتهم اليوم أكثر من أي وقت مضى فالمجازر المرتكبة محاولة لتغذية الوحش في داخلنا ليكبر وإن تمنع الشارع للإستجابة مرة وإثنتين وثلاثة قد ينهار في الرابعة مالم تقابل هذه الهجمة النظامية بحملات توعوية مقابلة .

الوحش النائم سيلعن الله من يوقظه ..

Advertisements

4 thoughts on “صـنـاعـة الوحـش

    1. هناك وحش كبر داخلنا ولكنه في الحقيقة موجود أكثر من اربعين سنة الان بدأ يتحرر .. هو بحاجة الى اعادة تهذيب
      نحن نتأخر فقط عندما نموت

  1. معك حق ،، ذلك الوحش كبر وهو يتغذى على مخاوفنا كالشر الأسود حتى لنراه سيبتلعنا إن لم نواجهه ونستعيد كرمتنا قبل أن نموت ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s