مطر .. برد ورشة وطن

 

                                                                

السادسة صباحاً

فنجان قهوة

فيروز

 مطـر

وقفت امام النافذة رئتاها مشبعتان بمزيج من القهوة والمطر وفيروز .. فيروز تشغل كل الحواس لا السمعية فقط

تفكرت للحظة " مساكين أولئك القاطنين خلف الحدود .. لمن تركوا كل هذا الجمال .. لن يقنعوني بكذبة اللعنة التي ماانفكوا  يذكرونها في مجالسهم .. "

" هم من سكب اللعنة على رؤوسهم عندما قرروا الرحيل .. كانت تنفض رأسها وكأنها تحاول أن تطردهم هي الاخرى من أفكارها

تركت نفسها للنافذة المبللة وبخار انفاسها المتكثف على الزجاج

ارتدت ملابسها بسرعة .. أقنعها جنونها بأن الوجوه التي لا يلمسها المطر تبقى مسودة بالصيف تركت خلفها المظلة راقدة على المقعد وعرت روحها للسير تحت الزخات الخفيفة

كان لصمت المطر حديث آخر ينفذ للقلب مباشرة .. شهي كطبق والدة

أنساها للحظة فظاظة أحدهم عندما مر مسرعا ليغرقها بالماء .. همست لنفسها لا يهم الجميع سيغرق حتما في المياه

عشر دقائق .. عشر دقائق أخرى .. تبعتها عشر دقائق لم يظهر في الافق آخر اختراعاتنا العجيبة "النقل الداخلي"

لماذا يسيرون أشياء في بلادنا لا تسير؟

واذا ما وجدت فهي أشبه ببراميل مخلل الداخل اليها مفقود والخارج مولود مولود مولود

نفضت رأسها للمرة الثانية وهمست لايهم.. منذ متى وأنا موعودة أن اتعثر بالنقل الداخلي بسرعة ؟

أشرت لإحدى وسائلنا العظيمة الاخرى تعرف اختصارا باسم "تكسي"

كان كبيرا بالعمر حتى كاد أن يختفي خلف المقود .. ربما هو العمر قلّصه ,تمتصه لقمة العيش لآخر نبضاته

أشفقت على إنحناء ظهره على عيناه المختبئتين خلف النظارة السميكة

مأخوذة بالعزف السماوي في الخارج التصقت بالنافذة .. خمس دقائق وصلت الى الموقف الاخر عل النقل الداخلي الاخر  المتوجه لعملها يتعثر بها بسرعة

اخرجت النقود سلمتها له وحاولت الهبوط لتفاجأ بأن هذا المخلوق المنحني المتقلص قد تمدد وعيونه المختبئة خلف الحواجز الزجاجية ازدادت حجما ليرمي لها النقود ويبدأ بوصلة هي مزيج من الردح والشحاتة بأن الطريق مبللة وفي هذا الوقت من الصباح لن تجد كلب يتوقف لها فما بالها بعربة بأربع عجلات تقلها وليلقي على مسامعها المخاطر التي كادت ان تصيبه من ايصالها .. كادت أن تبكي للحظة من تأثرها بخطبته .. اخيرا طالب بضعف الاجرة قذفتها بسرعة وخرجت

امسكت بزمام شفافها "لن تسب " تضغط بقوة حتى اصطبغت اسنانها بأحمر الشفاه حاولت ان تنفض رأسها باللايهم لكنها لم تستطع شعرت بأنها ضعيفة هشة كقطعة بسكوت .. لو كانت رجلا لأوسعته لكما ضربا رفسا لجعلته يتقلص من جديد لكنها" أنثى ".. مذمومة هذه الصفة في مجتمعنا هم يفعلون ذلك ليعيدوننا للقن من جديد قبل ان يجرفها التفكير لعصر الدجاجات المطيعات لمحته قادم من بعيد بكامل تثاقله المعتاد اشرت للنقل الداخلي وقفزت في داخله

المقاعد ممتلئة عدد الواقفين مساو لعدد الجالسين الرجال اكثر من النساء ربما سيتحرك أحدهم من مكانه ليفسح لها بالجلوس خاصة وهي تتقاذف الى الامام والى الخلف مع كل لحسة فرامل يفتعلها السائق ليردد قبلها عبارته المشهورة " ارجعوا لورا " حتى عندما يستصرخ اهل الحافلة ان الاماكن الخالية قد حجزت جميعها يعيد عبارته وكأنه مصاب بالصمم

ربما هذه خطة من خطط وزارة المواصلات .. حاولت ان تنفض راسها دون جدوى "اللعنة على الليرة التي جعلتك تقف لكل قط يقف في الطريق  "

واخيرا شتمت شعرت بالارتياح .. زفير وبقوة

في موقفها عادت كدجاجة فالرجال الجالسون والواقفون  يرمقونها بين النظرة والنظرة بنظرة

فمرة يتخيلونها مشوية والنظرة الاخرى مقلية .. تركوها واقفة لتتأدب على انوثتها ربما لو سَألت أحدهم الان لقال بصوت خشن "كسيفة جلي" "ومن قال لها أن تخرج من منزلها .. يااخي المرة مكانها البيت مافي أحلى من السترة للوحدة خليها تنضب وتتجوز "!!

دوما نعود الى الضبضبة وكأنها حقيبة مفرغة على الارض او تنستر وكأنها عارية تركض في الشوارع لم تحاول ان تنفض رأسها هذه المرة فقط بصقت عليهم في نفسها حتى عندما حاول أحدهم أن يذلها بوقوفه ليهب لها المقعد أعطت وجهها للنافذة وكأنها لم تسمعه

 

التاسعة

 

قبل بوابة الشركة بقليل يقترب منها يمص شفاهه بصوت مقرف "صباح الورد ياورد شو هالصباح الحلو "

تلتفت اليه "انت واحد قليل ادب " ضاعت منها الكلمات للحظة

لكن غضبها يحتاج لواحدة بعد "وحشرة" ..

عادت الزخات الخفيفة لم تعرف من يبكي أكثر هي ام السماء وصلت الى مكتبها لم تلق بنفسها على المقعد طويلا حتى أطل برأسه المجعد الاصلع واستدارته وقصر قامته .. هاهو المدير

– حمد الله عالسلامة .. ان شاء الله مانكون فيقناك من نومتك ياانسة …..

علقت عينيها بالخارج وبدأت تتحدث في داخلها  " ليش لهلا ماطلع قوس قزح .. اه صح لازم يكون في شمس بس في شمس ليكها بعد تلات غيمات .. منيح الغيوم مو مقسمين بمسطرة عنجد كان شكلهم بشع "

-معليش يا انسة انا عم احكيكي فيكي تطلعي فيني

التفت اليه نفضت رأسها "معك استاذ "

عاد هو ليبربر ويولول ويحرك ذراعيه كبهلوان يمشي على حبل .. كانت تنظر اليه وتفكر " ياترى لو غيرنالك البدلة ولبسناك بنطرون جينز وقميص قد الجسم .."تبتسم" اكيد اكيد سقفز كرشك منه  " كادت أن تفرج عن ابتسامة تكبر لتصبح قهقهة لكنها حافظت على قسمات وجهها الجدية

وهز رأسها بطريقة روتينية للأعلى للأسفل

– بتمنى يا انسة تكون اخر مرة

وعادت للهزات الارتدادية .. خرج من غرفتها لتلحقه بابتسامة تعقبها " لتسقط في الجحيم "

اعمل من الثامنة للخامسة ركضا وراء الفتات .. اتحمل منظرك القبيح وعيناك اللتان تقسمان كل يوم وهما تأكلان جسدي بأن لهما حق بي

 

السادسة مساءا

– الو جوجو .. كيفك حبيبتي ؟ مبارح سمعتك عم تحكي عن الهجرة لكندا دخلك شو هي الوراق المطلوبة ؟؟

 

Advertisements

14 thoughts on “مطر .. برد ورشة وطن

  1. الغضب والصرعة شيء وانكار المنكر واستهجان النذالة التي يرتكبها البعض خصوصا ذوي الشعر الابيض او اصحاب الشوارب المقززة شيء اخر احييكي على انكارك للخطأ واستهجانك للحشرات المختبئة خلف الشوارب واللحى.

    1. لتأكل اللعنة شواربهم ولحاهم “الكزابية” فهي أصبحت موضة للنذالة
      وقناع لاخفاء تلك العقول المحدودة بما دون الحزام
      شكرا سارة اهلا بك من جديد

  2. معبرة ..
    ولكن للتنويه النقل الداخلي ليس من اختراعاتنا
    وإنما تنحصر اختراعاتنا في العشر دقائق الأخرى .. ياللعجب .

    تحية مرور

    1. حمزة النقل الداخلي “المخلل” هو اختراعنا
      التكسي “الحرامي” هو اختراعنا
      “النذالة” للاسف اصبحت ملتصقة بنا حد الاختراع
      جميل وجودك اهلا بك

  3. على ما يبدو انه يوم ربما توودين ان لا يكون في حساب عمرك وان لا يتكرر , ولكن أجمل ما في الموضوع هو فيرزو

    تحية طيبة 🙂

    1. هو يوم مضروب في 365 يوما .. يوم يعيد نفسه كلما قكرت بالخروج
      لدينا قدرة عجيبة على تحويل حتى أجمل الاشياء كالمطر الى كتلة من البشاعة
      اهلا بوجودك

  4. لو ان حياتنا اقتصرت على مهزلة الطرقات لكنا بألف خير … أعزائي طالتنا حتى في بيوتنا
    ا

    انا معك فيروز والمطر أجمل مافي الواقع

    تحياتي لكل من تمرد على واقعنا الاليم

  5. ما بعرف، كتير فكرت بالموضوع، وكان قراري انو رح ضل يعني رح ضل، وانشاء الله يكون قراري صحيح.

    1. عندما تقرر الرحيل ستجد أبواب الرحيل مشرعة في اية لحظة
      المشكلة أصبحت بوابات الوطن كمعابر غزة تفتح يوما تغلق دوما
      اهلا علوش

  6. تحياتي جعلت الأدرينالين يتدفق في جسمي فهذا بالضبط مايحدث معي أثناء ذهابي وإيابي من العمل أنا حانق جداً والحل يتجلى لي من خلال شراء سيارة ولكن لامجال الآن للفقراء أمثالي وسيظل الصراع قائماً عند كل صباح والحل ببساطة لافكر لاتخطيط لاحل تحياتي لك أعجبني فعلاً ماخطه قلمك اللطيف 🙂

    1. لو كان الفقر رجلا لحشرته بالنقل الداخلي 🙂
      كلنا يحلم بالسيارة يوما ما سيتحقق الحلم .. ولن نخشى من الازدحام حينها سيكون نفق كفر سوسة قد نفذ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s